سيد محمد طنطاوي
361
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : * ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِه ، ومَنْ أَساءَ فَعَلَيْها . . ) * . أي : من عمل عملا صالحا بأن آمن باللَّه ، وصدق بما جاء به رسله ، فثمرة عمله الصالح لنفسه . * ( ومَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ) * أي : ومن عمل عملا سيئا ، فضرر هذا العمل واقع عليها وحدها * ( وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) * أي : وليس ربك - أيها الرسول الكريم - بذي ظلم لعباده الذين خلقهم بقدرته ، ورباهم بنعمته . فقوله * ( بِظَلَّامٍ ) * صيغة نسب - كثمار وخباز - وليس صيغة مبالغة . قال بعض العلماء ما ملخصه : « وفي هذه الآية وأمثالها سؤال معروف ، وهو أن لفظة » ظلام « فيها صيغة مبالغة . ومعلوم أن نفى المبالغة لا يستلزم نفى أصل الفعل . فقولك - مثلا - : زيد ليس بقتال للرجال لا ينفى إلا مبالغته في قتلهم ، فلا ينافي أنه ربما قتل بعض الرجال . ومعلوم أن المراد بنفي المبالغة - وهي لفظ ظلام - في هذه الآية وأمثالها المراد به نفى الظلم من أصله . وقد أجابوا عن هذا الإشكال بإجابات منها : أن نفى صيغة المبالغة هنا ، قد جاء في آيات كثيرة ما دل على أن المراد به نفى الظلم من أصله ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً وقوله - تعالى - : إِنَّ اللَّه لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً . . . ومنها : أن المراد بالنفي في الآية ، نفى نسبة الظلم إليه . لأن صيغة فعال تستعمل مرادا بها النسبة ، فتغنى عن ياء النسب . . كقولهم « لبان » أي : ذو لبن ، ونبال أي صاحب نبل . . « « 1 » . ثم بين - سبحانه - في أواخر هذه السورة الكريمة ، أن علم قيام الساعة إليه - تعالى - وحده ، وأن الإنسان لا يسأم من طلب المزيد من الخير فإذا مسه الشر يئس وقنط . وأن حكمته - تعالى - قد اقتضت أن يقيم للناس الأدلة على قدرته ووحدانيته من أنفسهم وعن طريق هذا الكون الذي يعيشون فيه فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) راجع تفسير أضواء للبيان ج 7 ص 140 للشيخ الشنقيطي .